الشيخ محمد رشيد رضا

638

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ولعل كثرة الآيات في عالم السماء هي نكتة تذييل الآية بقوله تعالى : قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ سواء أريد بها آيات التنزيل أو آيات التكوين . فان أريد بها المعنى الأول فوجهه أن هذه الآية وما قبلها وما في معناهما من الآيات المنزلة في الحث على النظر في ملكوت السماء كله تفصيل مبين لطرق النظر والبحث في العالم السماوي للذين يعلمون بالفعل أو بالقوة والاستعداد شيئا من حكم اللّه تعالى وعجائب صنعه فيه فيزدادون بهذا التفصيل بحثا وعلما ، فيكون علمهم ناميا مستمرا . وان أريد الثاني فوجهه أظهر ، وهو ان الآيات الدالة على علم اللّه تعالى وحكمته وفضله على خلقه لا يستخرحها من النظر في النجوم الا الذين يعلمون أي أهل العلم بهذا الشأن ، الذين يقرنون العلم بالاعتبار ، ولا يرضون بأن يكون منتهى الحظ ، ما تمتع به اللحظ ، ولا غاية النظر والحساب ، أن يقال إن هذا الشيء عجاب . ومن الاعتبار قول صاحب المقتطف بعد مقالات لخص فيها بعض « بسائط علم الفلك » - ومنها الكلمة المذكورة آنفا - فإنه قال لما انتهى من الكلام على النظام الشمسي ورجح انه لا يصلح شيء من سياراته لحياة البشر غير الأرض ، وانه يحتمل أن تكون سيارات سائر الشموس كذلك وكلها أكبر من هذه الشمس قال : « والانسان أوسع هذه المخلوقات ادراكا وهو على سعة إدراكه لا يعلم تركيب جسم النملة ولا كيفية تجمع الدقائق في حبة الرمل ، علم واسع وجهل مطبق ، وكلاهما ناطق بأن مبدع هذا الكون أعظم وأعلم وأحكم من كل ما يتصور عقل الانسان » * * * وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ بعد أن ذكرنا اللّه تعالى ببعض آياته الكونية في الأرض وفي السماء ذكرنا في هذه الآية ببعض آياته في أنفسنا . الانشاء إيجاد الشيء وتربيته أو احداثه بالتدريج . وقد استعمل في التنزيل في خلق الانسان بجملته وخلق أعضائه ومشاعره ، وايجاد الأقوام والقرون من أممه بعضها في أثر بعض ، وفي البعث ، وفي خلق الشجر والجنات ، وفي احداث السحاب . قال في حقيقة الأساس : وأنشأ حديثا وشعرا وعمارة . اه والنفس ما يحيا به الانسان وذاته فيطلق على الروح وعلى المرء المركب من روح وبدن . والمستقر